Cheap Web Hosting | Free Web Hosting | Dedicated Server | Windows Hosting | Free Web Space | Web Hosting | FrontPage | Business Web Hosting
cheap web hosting
Search the Web

                 
     
                 
 

القبر المجهــول

 

: وهبي البوري  

 

عندما وصل عمر عبد الباري مدينة فيرنسه ، قادماً من طرابلس ، شعر كأنه انتقل فجأة إلى عالم جديد غريب مذهل لم يصل خياله أبداً إلى درجة تصوره ، فقد وجد قوماً يختلفون عن قومه في اللغة والدين والملبس والمأكل وفي نوعية الحياة ، ووجد المدينة ذات حدائق غناء وزهور ومياه ومباني شاهقة ، وتملكه شيء من الخوف عندما فكر انه سيعيش في هذه المدينة ويندمج في مجتمعها .

وكان عمر أحد أعضاء البعثة الدراسية التي كونتها الحكومة الإيطالية عام 1913 من أبناء بعض أعيان طرابلس وبنغازي ومصراتة وأوفدتهم لتلقي العلم في إيطاليا وقامت بتوزيعهم على المعاهد الإيطالية في روما ونابولي وفيرنسه ، وكان نصيب عمر أن يحل بالمدينة الأخيرة ، وتلاشى خوف عمر ووحشته بعد أن وجد في المدرسة شابين ليبيين آخرين هما عبد السلام ورمضان من مدينة بنغازي وقد جاءا فيرنسه لنفس الغرض .

وقامت الجهة المسؤولة عن دراسة الطلبة الليبيين بإيجاد دار صغيرة ضمت الشبان الثلاثة الذين حولها إلى قطعة من أرض ليبيا لا يغادرونها إلا وقت الدراسة أو القيام بنزهات قصيرة في حدائق فيرنسه الجميلة ، وكانت عزلتهم وانطواؤهم هذا على حساب تعليمهم الذي جاءوا من أجله .

ولاحظ المسؤولون عن دراستهم أنه بعد مضي عدة أشهر ورغم دروس الإيطالية المكثفة فإن الطلبة الليبيين الثلاثة كانوا لا يستطيعون استيعاب الدروس في  الفصل بسبب عدم إلمامهم باللغة الإيطالية ، واتضح أنهم ما داموا يعيشون معاً ويتكلمون بلغتهم ولا يندمجون في المحيط الطلابي ولا يمارسون الرياضة ويشاركون في نشاطات المدرسة الأخرى ، فإنهم لن يتعلموا اللغة الإيطالية ، ولن يستطيعوا التقدم في دراستهم ولا تحقيق الغاية التي أرسلوا من أجلها ، وتقرر توزيعهم على ثلاث مدارس مختلفة وألحق عمر بمدرسة مختلطة ذكوراً وإناثاً وخصص له مكان ببيت الطلبة المحلق بالمدرسة .

لم تمض سوى بضعة أشهر ، فقد استطاع  عمر الاندماج في البيئة الطلابية ومارس الرياضة وشارك في النشاطات المدرسية الأخرى وتحسنت لغته الإيطالية وتحسن استيعابه لدروسه ، ولم تنقطع صلته بصديقيه عبد السلام ورمضان فقد كان يراهما في نهاية عطلة الأسبوع ويقضون يومهم سوياً .

وقد تحمس عمر لحياته الجديدة ، وأنهمك في ممارسة الرياضة وبرع في لعبة   التنس ، إلا أنه ظل خجولاً ومتهيباً أمام الفتيات ، فكان لا يقترب منهن أو يتحدث إليهن ، بل كان يكتفي بالنظر إليهن عن بعد وهن يتحدثن أو يلعبن أو يتناقشن في أمر من الأمور ، والفتاة الإيطالية بطبيعتها كثيرة وسريعة الكلام وتصحب كلامها بحركات يديها وتعبيرات وجهها ، وأعجب عمر بطالبة كانت تتميز عن غيرها بوقارها وكبريائها وجمالها الصارخ ، كانت شقراء الشعر زرقاء العينين ممشوقة القوام بشرتها بلون الحليب المخلوط بالفراولة .

وسأل عمر صديقه جينو ، في أحد الأيام ، عن الفتاة فأجابه :-

-        إنها جوليا ابنة القاضي بيوندي من أشهر رجال القانون في إيطاليا ، ثم التفت إلى عمر وقال له :-

-        ماذا يهمك من أمرها ؟ فاضطرب عمر قليلاً وأجابه :

-        إني معجب بها وبجمالها وبأخلاقها وهي ليست كبقية الفتيات .

فضحك جينو وأنطلق يعدو صوب جوليا وقال لها :-

-        لقد اكتشفت أن هناك معجبين بك يا جوليا ، فابتسمت وسألته :-

-        ومن هم هؤلاء المعجبون ؟ فقال لها :-

-        إنه عمر الواقف هاك بقرب الشجرة ، فرفعت جوليا رأسها ونظرت إلى عمر ثم أشارت له بيدها أن ينضم إليهم .

وأسرع عمر بالذهاب إليها وعندما وقف أمامها وجهاً لوجه شعر بالدم يتصاعد إلى وجهه وقد تلعثم لسانه وارتبك بصورة واضحة ، غير أن عذوبة حديث جوليا وسحر عينيها وهدوئها أعاد إليه رباطة جأشه ، فتحدثا في مواضيع مختلفة حتى حان وقت العودة إلى الفصول .

كانت جوليا تنتمي إلى أسرة كريمة من أسر فيرنسه ، وكانت ترغب دراسة الآداب ثم الفنون الجميلة ، وهو نوع من الدراسة التثقيفية التي يُقبل عليها فتيات الأسر الكبيرة ، وكانت وحيدة والديها ودرتهما الثمينة ، وكان عمر وسيماً طويل القامة ذا كبرياء ووقار رغم حداثة سنه ، وتواصلت لقاءاته بجوليا في فترات الاستراحة وتولدت بينهما صدقة وتفاهم متبادل ومودة ، وكانا يتحدثان عن كل شيء ما عدا العلاقة التي ربطت بينهما والتي كان يغلفها الاحترام المتبادل والأخلاقيات الرفيعة رغم كل ما يتفاعل بداخلهما من حب عميق هادئ .

أعلنت إيطاليا الحرب على حليفتيها السابقتين ألماني والنمسا ، وانضمت إلى الحلف الغربي بقيادة فرنسا وبريطانيا ، وقابل الشعب الإيطالي نبأ إعلان الحرب بحزن وكآبة وعدم رضا ، فالشعب الإيطالي بطبيعته لا يميل إلى الحرب وغير مستعد لتحمل أوزارها ، وتغير وجه فيرنسه الباسم وحل محله البؤس ونقص المواد الاستهلاكية ، وفراق الأبناء والأحبة ، وكانت محطات السكك الحديدية تعج بالمجندين المسافرين إلى الجبهة بشمال البلاد وقد جاء أقاربهم وأصدقائهم لوداعهم وقد اختلط البكاء والعويل بالقبلات وصب اللعنات على من كان سبباً في إشعال هذه الحرب ، وكان معظم المجندين من المزارعين والعمال والكادحين الذين تركوا أماكنهم شاغرة وقد انعكس غيابهم على الإنتاج فقل المعروض واختفت المواد في الأسواق وشعر الناس بالمعاناة التي استمرت أربع سنوات .

وانتهى العام الدراسي وأخبرت جوليا صديقها عمر إنها ستقضي مع أسرتها مدة شهر على ساحل البحر ، وعندما ودعته اقتربت منه وقبلته ، فأنتفض وتصاعد الدم إلى وجهه ، وأذهلته المفاجأة فقد كانت هذه المرة الأولى التي تقبله فتاة لا تمت إليه بصلة القربى .

لم يلتق عمر جوليا إلا بعد العام الدراسي الجديد ، وكان في غاية اللهفة إلى رؤيتها وسماع صوتها ، وعاود الحبيبان لقاءاتهما في فترات الاستراحة وكانت جوليا تريد أن تعرف كل شيء عن عمر وأهله وبلده وديانته ، وكان هو يتحدث إليها بصراحة ولا يخفي عنها   شيئاً ، وقد عظم حبهما وأزداد قوة ولم يعد أي منهما يستطيع كتمانه .

وفاجأت جوليا ، في أحد الأيام صديقها بدعوته يوم الأحد إلى تناول الطعام بدارهم بناء على رغبة والدها الذي حدثته كثيراً عنه ، وانزعج عمر لهذا الطارئ وشعر بالخجل والحرج ، فهو ليس بخطيب جوليا أو قادم لخطبتها وأبت عليه تربيته العربية أن يقبل دعوة الرجل بصفته صديقاً أو زميلاً لأبنته ، وأكدت له جوليا أن والدها هو الذي يريد أن يراه ليسأله عن تطبيق بعض التشريعات الإسلامية في بلاده .

وزار عمر دار جوليا الفخمة العامرة باللوحات الزيتية والرياش والتحف والنفيسة ، ورحب به القاضي بيوندي كثيراً وقال له أن جوليا حدثته عنه وعن أخلاقه العالية ورجاحة عقله وتحدث معه في مختلف المواضيع وسأله بعد تناول الطعام عن اتجاهه الدراسي بعد أن يلتحق بالجامعة في العام المقبل ، وأشار عليه بدراسة القانون ووعد بمساعدته في هذا   الصدد ، وقد أعجب والد جوليا بعمر وبذكائه ورجولته وأخلاقه ، أما والدة جوليا فقد قابلت عمر بمجاملات ومودة مصطنعة فعمر مسلم وهي لا تريد أن تتطور علاقته بجوليا إلى أكثر من هذا الحد . وغادر عمر دار بيوندي مبهوراً بكل ما رآه وخاصة الطعام اللذيذ الشهي الذي افتقده منذ إعلان الحرب .

التحق عمر بكلية الحقوق وكان والد جوليا خير معين ومرشد له وتفوق في دراسته وانتقل إلى السنة الثانية بجدارة ، إلا أن الأمر الذي كان يقلقه ويزعجه باستمرار هو تحديد موقفه من جوليا ، وكانت الأمور بينه وبينها وصلت درجة لا تحتمل التأجيل وتتطلب البت السريع حفظاً لكرامة جوليا وأسرتها وكرمته الشخصية ، وقد أدرك تورطه بشكل يصعب معه الانسحاب ولم يعد أمامه سوى السير في اللعبة إلى النهاية ، إلا أن الزواج يتطلب منه أن يكون قادراً على توفير حياة جيدة لزوجته علماً انه لا يملك شيئاً أكثر من منحته الدراسية وحتى لو اتجه إلى أهله طالباً مساعدتهم فلن يعينوه على الزواج من إيطالية ، وكان عمر على يقين بأن زواجه من جوليا سوف يسلخه عن وطنه وأهله وقومه ويدفعه إلى الاندماج الكامل في المجتمع الذي هيأته له جوليا ، وعاش في دوامة أفقدته الاتزان والتفكير السليم والقدرة على اتخاذ القرار الصحيح .

وأدركت جوليا مبلغ الأزمة النفسية التي كان يمر بها عمر وأسبابها ، فأكدت له أن والدها وعدها بتوفير السكن والعمل لعمر بعد تخرجه وتحمل جميع نفقات الخطوبة والزواج ، وأضافت بأن والدها يزداد كل يوم إعجاباً به يريد أن يكون في مقام ولده ، وأقنعته بإعلان الخطوبة الان وتأجيل الزواج إلا ما بعد تخرجهما وأذعن عمر لمطلب جوليا ورأى فيه الحل المناسب لمشكلتهما .

وأحدث إعلان خطوبة عمر على جوليا تغيراً كبيراً في تفكيره وتصرفاته ونظرته إلى المستقبل ، فقد أصبح حراً في الخروج معها وكانت تطلعه على معالم فيرنسه وكنوزها الفنية وعملت على توسيع دائرة معارفه وأصدقائه وعلى إثراء معلوماته الأدبية والتاريخية .

وتطبع عمر بطباع الإيطاليين في حياتهم وتفكيرهم وعاداتهم ، وقد انتقل رفيقاه رمضان وعبد السلام إلى نابولي ، وانقطعت صلته بأهله وبلاده وأصبحت ذكراهم باهتة في ذهنه ، وشارك في الدورة العسكرية التي تنظمها السلطات العسكرية لإعداد طلبة الجامعة للحصول على رتبة ضابط عندما يستدعون للخدمة الوطنية وقد تدرب على استعمال السلاح وقيادة الجنود وأساليب الحرب الحديثة .

وأتم عمر دراسته وتخرج من كلية الحقوق بامتياز وقد أشار عليه القاضي بيوندي أن يتخصص في القانون الدولي الذي سيكون له شأن كبير في المستقبل .

وانتهت الحرب العالمية وخرجت إيطاليا منها مهشمة محطمة رغم انتصارها وانتشرت الأفكار الماركسية بين العمال والكادحين ، وعجزت الحكومات الليبرالية عن السيطرة على الوضع الذي كانت له انعكاسات إيجابية على الحالة في ليبيا حيث دخلت إيطاليا في مفاوضات مع الزعماء الليبيين لإيجاد حل يحقق لليبيين مطالبهم ويضمن لإيطاليا مصالحها في البلاد .

وتتبع عمر أخبار بلاده عن طريق الصحافة ورسائل أهله وشعر بالدم العربي يتحرك من جديد في عروقه وحمد الله على أن تضحيات الشعب الليبي لم تذهب سدى ، غير أن ذلك لم يؤثر في رغبته الزواج من جوليا والعمل في إيطاليا ليستطيع إتمام دراسته في القانون الدولي وأن ينجح في تكوين مركز مرموق بين رجال القانون .

وشرعت أسرة بيوندي في الإعداد لزواج الشابين وكانت والدة جوليا مصرة على عقد الزواج في الكنيسة ، في حين كان عمر يحبذ أن يكون الزواج مدنياً فقط ولا ضرورة للزواج الديني ، وتمادت السنيورة بيوندي في إصرارها على أن يكون الزواج في الكنيسة تلبية لمشاعرها ومشاعر أبنتها المسيحية .

وأذعن عمر على مضض للأمر ، فلم يكن أمامه خيار آخر ، وتقصر الكنيسة الكاثوليكية مراسم الزواج على الكاثوليك فقط ، أما الزواج المشترك بين الكاثوليكي وأي شخص من عقيدة أخرى ، وحتى لو كان مسيحياً من مذهب آخر ، فإنه لا يتم في صحن الكنيسة الرسيسي وإنما في غرفة جانبية وبطقوس مبسطة .

وذهب عمر وجوليا ووالدتها إلى الكنيسة للقيام بالإجراءات الأولية التي تسبق العقد ، وقد أدخلوا في غرفة صغيرة وجاء راهب ومعه أوراق أخذ يدون فيها المعلومات عن الخطيبين ، ثم طلب من عمر أن يجلس أمامه وقال له بحزم :-

-    المطلوب منط بصفتك غير كاثوليكي أن تتعهد بأن أبناءك من جوليا يجب أن يعمدوا في الكنيسة الكاثوليكية ، وأن تتعهد باحترام زوجتك ولا تمنعها هي وأبناءها من ممارسة شعائر دينهم في أي مكان يسكنونه معك ، وتتعهد أنك لا تحاول إطلاقاً ممارسة أي ضغط على زوجتك وأبناؤها لتغيير عقيدتهم ، فإذا قبلت أن تنفذ هذه الشروط بصدق وقع على هذا النموذج كي نحدد موعداً لعقد الزواج ، وقدم الراهب لعمر قلماً للتوقيع على النموذج .

أمسك عمر القلم ونظر طويلاً إلى الصليب المعلق على الجدا ر الواقع وراء الراهب ، وقد ترآى له من خلال فتحاته منظر والدته وهي تقوم بتعليم بناتها الصلاة ومنظر والده عندما كان يصحبه إلى المسجد ليتدرب على صلاة الجمعة وطرق أذنيه في نفس ا لوقت صوت الأطفال وهم يتلون القرآن الكريم بالكتّاب الملحق بالمسجد ، وقد شعر بالعرق يتصبب من جبينه وبرعشة شملت كل كيانه ، فألقى بالقلم واندفع صوب الباب وذهب رأساً إلى غرفته فجمع حوائجه وترك رسالة لجوليا يعتذر فيها ويحلها من جميع التزاماتها نحوه ، ثم استقل أول قطار متجه إلى الجنوب .

عاد عمر إلى مصراتة بعد غياب سبع سنوات وقد وجد الناس في نشوة وحماس وطني وتفاؤل بقرب تحقيق أمانيهم الوطنية ، وغدت مصراتة في تلك الفترة مركزاً للنشاط الوطني السياسي والعسكري ، وملتقى لزعماء وقادة البلاد ، غير أن الاستعدادات العسكرية كانت تتواصل خشية غدر الإيطاليين والتنكر لالتزاماتهم كما هي عادتهم .

وعرضت السلطة الوطنية في مصراتة  على عمر منصباً سياسياً بصفته رجل       قانون ، غير أنه فضل العمل في المجال العسكري الذي اكتسب خبرة فيه من خلال تدريبه الراقي بالجامعة ، وقد انضم إلى الجيش برتبة ضابط وساهم مساهمة جيدة في تدريب الجنود وتنظيمهم وإعدادهم للقتال ، وقد شارك في معركة قصر أحمد التي احتلها الإيطاليون غدراً في أوائل عام 1922 والتي اشتعلت نيران الحرب في جميع أنحاء ليبيا ، وقدم عمر للجيش الوطني كل جهده ووقته وقدراته رغم أن قلبه كان لا يزال يقطر دماً ، وفاتحته والدته في أمر زواجه فطلب منها إرجاء الموضوع إلى ما بعد الحرب ، وكان يعلم أن جوليا لم تترك في قلبه مكاناً لغيرها .

واحتلت القوات الإيطالية مصراتة وترك هذا الاحتلال تأثيراته على حركة الجهاد ، ودفع في نفس الوقت القيادة الوطنية إلى تعزيز قواتها ودعمها وإعادة تنظيمها والتصميم على استعادة المدينة ، وقد شارك عمر بقواته في هذه المعارك وفي ضرب الحصار على القوات الإيطالية المرابطة في زاوية المحجوب وسانية العوكلي .

تولى عمر في هذه الفترة قيادة بعض مئات من المجاهدين ورابط بهم في مواجهة القوات الإيطالية وقد ساد الجبهة هدوء لقرابة الشهرين كان الطرفان يستعدان فيهما لخوض المعارك المقبلة .

وجاء الحارس إلى خيمة عمر في صباح أحد الأيام وأخبره أن امرأة جاءت من الخطوط الإيطالية على ظهر فرس وبيدها علم أبيض في حراسة جنديين من العرب وقد سألت عنه بالذات وتريد مقابلته ، فدهش عمر واستغرب أن امرأة تجتاز خطوط النار وتخاطر بحياتها كي تراه ، وفكر طويلاً فيمن تكون المرأة إلا أنه لم يهتد إلى معرفتها ، ووقف في الخيمة في انتظار الزائرة الغامضة ، إلا أنها عندما أطلت عليه وعرفها أصفر وجهه وارتعدت فرائضه واشتدت ضربات قلبه وشعر بدوار خفيف فجلس وأمرها أن تجلس وظل فترة ينظر إليها مشدوهاً ، وعندما هدأ روعه سألها :

-        ماذا أتى بك إلى هنا يا جوليا ، وما سبب مجيئك ؟ فأجابته :

-    إني أراك في صحة جيدة وأهنئك على ذلك ، أني لا أرغب التحدث عن الماضي وإنما جئتك كامرأة تسعى لإنقاذ زوجها ، فقاطعها عمروسألها :

-        ومن هو زوجك وما قصته ؟ فقالت له :

-    إنه الكابتن سوردي وقد أسره جنودك عندما كان في سيارته مع بعض جنوده ، وقد أخبروني عندما وصلت إلى طرابلس إن قواتك أسرته وإنك الوحيد الذي يستطيع مساعدتي على إطلاق سراحه ، فأتوسل إليك بحبنا الكبير أن تعمل على إطلاق سراحه إكراماً لي ولأبني ، ثم احتضنته وبكت بكاءً مراً .

فنكس عمر رأسه وفكر طويلاً ثم رفعه وقال لها :-

-    الأمر ليس بيدي يل جوليا ، ويعز علي كثيراً أن لا ألي لك طلباً ، سأذهب الآن إلى القيادة وأحاول إطلاق سراح زوجك والعودة به ، وذلك على شرط أن يقسم بشرفه العسكري أن يغادر البلاد فوراً وأن لا يعود إلى قتالنا .

وأمر عمر بإعداد خيمة لجوليا وتوفير وسائل الراحة لها وغادرها متجهاً إلى القيادة .

وفي منتصف نهار اليوم الثاني دخل عمر على جوليا في خيمتها ومعه زوجها فاندفعت كالمجنونة تعانقه وتقبله قبل أن ترحب بزوجها الأسير ، وطلب منها عمر المغادرة لأن المعارك قد تنشب بين لحظة وأخرى ، وكانت سعادة جوليا بلقاء عمر أكبر من سعادتها بعودة زوجها ، والتفت عمر إلى الكابتن سوردي قبيل مغادرتهم وقال له :-

-        أرجوك أن تبلغ القيادة الإيطالية إن إطلاق سراحك هو ردنا على قتل أسرانا .

شنت القوات الإيطالية هجومها المنتظر بقوات كبيرة تساندها الطائرات والمصفحات ومدافع الأسطول ، وواجه المجاهدون عدوهم بتصميم واستماتة إلا أن تفوق قوات العدو الساحق كانت له الغلبة . وقد اضطر المجاهدون إلى الانسحاب تدريجياً من مواقعهم إلى مواقع جديدة ، واستمرت القوات الإيطالية في ملاحقتهم والاشتباك معهم في معارك متتابعة سقط فيها مئات الشهداء وسقط عمر شهيداً في معركة الكرم مع العديد من رجاله ، وقد بكاه رؤساؤه وجنوده وحزنت عليه والدته أشد الحزن .

علمت جوليا بنبأ مصرع عمر بعد مرور بضعة أشهر على استشهاده فقررت السفر إلى ليبيا رغم معرضة زوجها الشديدة ، واستطاعت الوصول إلى مصراتة واهتدت إلى دار عبد الباري والتقت بوالدة عمر وعرفتها بنفسها ، فأمسكت بيدها وأدنتها منها وقبلتها وقالت :-

-        أن عمر حدثني عنك وأراني صورك ، وتأملتها طويلاً وقالت لها :-

-        لم أر أبهى وأجمل منك ، ثم تمتمت بصوت خافت :-

-        يا ليته كان تزوجك واحتفظت به ، غير أن قدر الله لا مفر منه .

وكان على شقيق عمر أن يقوم بالترجمة بين الأمرأتين ، واستضافت أسرة عبد الباري جوليا في دارهم ، ولم يسمحوا لها بالسكن في الفندق ، وقد سعدت جوليا بالإقامة في الدار التي ولد وترعرع فيها عمر ، وكانت لا تكف عن توجيه الأسئلة عنه وعن طفولته وكتبه وهواياته ، وكانت بعض الأسئلة تثير شجون والدته فتبكي وتشاركها جوليا البكاء ، وطلب جوليا أن تزور قبر عمر ، فقالت لها والدته :-

-    لا نعرف مكان قبره ، ولا نعرف هل دفن في قبر منفرد أم جماعي ، إنها الحرب يا بنيتي حصدت خيرة شبابنا ورجالنا ونحن نعتبرهم جميعاً شهداء مكانهم الجنة سواء دفنوا في مقابر منفردة أم جماعية .

فالتمست جوليا من آل عبد الباري أن يصحبها أحدهم لتزور ساحة المعركة التي سقط فيها عمر ، فرافقها علي وكان يهمه هو أيضاً أن يعرف الموقع الذي استشهد فيه أخوه ، والتقى بأحد الشبان من جنود عمر الذين شاركوا في المعركة فقال لهم :-

-    هاجم عمر عبد الباري في صباح ذلك اليوم المشؤوم قوة صغيرة إيطالية منعزلة وكان هدفه أسر الضابط والجنود الذين تقلهم إحدى سيارات الجيش وكانوا في عزلة عن بقية القوات وأمر بنقل الأسرى بسرعة إلى المؤخرة وفي هذه الأثناء تكاثرت عليه القوات الإيطالية ودارت معركة حامية بين الطرفين سقط فيها عمر والعديد من وفاقه قتلى واستطاع الباقون وأنا من ضمنهم الانسحاب غير أنني لا أعرف أين دفن والأرجح أنه دفن ورفاقه بقرب المكان الذي استشهدوا فيه .

وواصلت جوليا ذهابها يومياً إلى ساحة المعركة وكانت تقضي يومها متنقلة في أرجاء الساحة لعل قلبها ومشاعرها الخفية تدلها على الموقع الذي يرقد فيه عمر .

اقتربت أم عمر في أحد الأيام من جوليا ، وكانت تستعد للخروج كعادتها لقضاء يومها بالساحة المدفون فيها عمر ، فأمسكت بيدها وأجلستها إلى جانبها ونادت على ولدها ليترجم بينهما وقالت لها :-

-     أنصتي إلى جيداً يا جوليا ، إن للحياة قواعدها وسننها ونحن لا نستطيع مقاومتها أو مخالفتها ، وإرادة الله نافذة ولا راد لها ، لقد مات في هذه الحرب الآلاف من خيرة سبابنا ورجالنا ، وخلفوا وراءهم زوجات وأبناء وأحبة غير أن عجلة الحياة لم   تتوقف ، إن عثورك على قبر عمر لن يعيده إليك حياً فمن الأصوب أن تعودي إلى زوجك وأبنك وأهلك ووطناك وتواصلي حياتك الطبيعية وفي إمكانك أن تحيى ذكرى عمر في قلبك وتعبري عن وفائك بالصلاة على روحه والدعاء له وعمل الخير والصدقة ، فبكت جوليا ووعدت أم عمر بالسفر قريباً .

وضاقت السلطات الإيطالية ذرعاً بجوليا وتصرفاتها ، فأمرت بترحيلها قسراً إلى إيطاليا ، وصحبتها إلى الباخرة المتجهة إلى نابولي ووالت مراقبتها إلى أن غادرت الباخرة ميناء طرابلس ، غير أن جوليا لم تصل نابولي على ظهر الباخرة وفسّر المحققون سبب اختفائها باحتمالين :- إما أن يكون البحر قد ابتلعها وإما إنها استطاعت التسلل إلى اليابسة لمواصلة بحثها عن قبر عمر .

 
       

الأولى